السيد محمد باقر الصدر
75
أئمة أهل البيت ( ع ) ودورهم في تحصين الرسالة الإسلامية ( تراث الشهيد الصدر ج 20 )
مع كلّ مشاعره وعواطفه . فكان لا بدّ من أن يُستَنزل ذاك العقل على مستوى الحسّ ، لا بدّ أن تُستَنزل تلك المعقولات على مستوى الحسّ ، وحيث إنّ هذا ليس بالإمكان أن يعمل مع كلّ الناس ؛ لأنّه ليس كلّ إنسان مهيّأً لهذا ، ولهذا اختصّ بهذه العمليّة اناسٌ معيّنون أوجد الله تبارك وتعالى فيهم الحسَّ القائدَ الرائد ، هذا الحسّ ربّاهم هم أوّلًا وبالذات ، ثمّ خلق حسّاً ثانويّاً ، وجوداً حسيّاً ثانويّاً ، هذا الوجود الحسّي الثانوي كان هو المربّي للبشريّة . استنزال القيم العقليّة إلى مستوى المحسوسات : أظنُّ أنّ الوقت انتهى ، أنا أيضاً تعبت ، لكن على أيّ حال نختم هذا الحديث الآن بضرورة الاستفادة من هذه الفكرة ، يعني : لئن كانت القيم والمثل والأهداف والاعتبارات ، إذا بقيت عقليّةً محضةً ، فهي سوف تصبح قليلة الفهم ، ضعيفة الجذب بالنسبة إلى الإنسان ، وكلّما أمكن تجسيدها حسّيّاً أصبحت أقوى ، وأصبحت أكثر قدرةً على الجذب والدفع . إذا كان هذا حقّاً ، فيجب أن نخطّط لأنفسنا ، ونخطّط في علاقتنا مع الآخرين على هذا الأساس ، يجب أن نخطّط في أنفسنا على هذا . يعني : أن لا نكتفي بأفكار عقليّة نؤمن بها ، نضعها في زاوية عقلنا كإيمان الفلاسفة بآرائهم الفلسفيّة ، لا يكفي أن نؤمن بهذه القيم والمثل إيماناً عقليّاً صرفاً ، بل يجب أن نحاول أن نستنزلها إلى أقصى درجة ممكنة من الوضوح الحسّي . طبعاً ، نحن لا نطمع أن نكون أنبياء ، لا نطمع أن نحظى بهذا الشرف العظيم الذي انغلق على البشريّة بعد وفاة النبي ( صلّى الله عليه وآله ) ، ولكن مع هذا : ( الوضوح ) مقولٌ بالتشكيك على حسب اصطلاح المناطقة « 1 » .
--> ( 1 ) « التشكيك عند المنطقيّين : كونُ اللفظ موضوعاً لأمرٍ عامٍّ مشتركٍ بين الأفراد لا على السواء ، بل على التفاوت » كشّاف اصطلاحات الفنون والعلوم 447 : 1 .